عميد الكلية

أ.م.د. جولان حسين علوان

كلمة عميد الكلية

لا يختلف اثنان على أن ديالى كانت إلى وقت قريب واحدة من أغنى محافظات العراق في عطائها الفني والثقافي، ولا سيما في مجالات التربية الفنية والفنون البصرية بمختلف أشكالها، مستفيدةً من قرب العديد من مدنها إلى العاصمة بغداد، حيث أُتيح لأبنائها الالتحاق بمعاهد وكليات الفنون الجميلة والتربية الفنية، والاطلاع المباشر على التجارب الفنية الحديثة في السينما والمسرح والفنون التشكيلية. وقد أسهم هذا القرب الجغرافي في خلق تفاعل معرفي وفني مستمر، انعكس بوضوح على واقع التعليم الفني والإنتاج الإبداعي في المحافظة. وإنَّ محافظة ديالى كانت وما تزال فضاءً حيًّا للفن والتربية الجمالية، تستند إلى إرث ثقافي غني، ووعي مجتمعي منح الفنون دورًا مهمًا في تشكيل الذائقة العامة.

احتلت التربية الفنية في ديالى مكانة خاصة، بوصفها المدخل الأساس لبناء الحس الجمالي وتنمية القدرات الإبداعية لدى الأجيال الناشئة. فقد شكّلت المدارس والمعاهد التربوية حاضنات أولى لاكتشاف المواهب، وأسهم معلمو التربية الفنية في ترسيخ مفاهيم التذوق الفني، والتعبير البصري، والارتباط بالبيئة المحلية. ولم تقتصر التربية الفنية على الجانب المهاري، بل تعدّته إلى أبعاد تربوية وثقافية، جعلت من الفن وسيلة لفهم الذات والمجتمع، وأداةً للتواصل الإنساني. وقد انعكس ذلك في نتاجات الطلبة، التي غالبًا ما استلهمت الطبيعة الديالية، والرموز التراثية، والتحولات الاجتماعية التي شهدتها المحافظة.

أما الفنون التشكيلية، فقد مثّلت أحد أبرز وجوه الحضور الثقافي في ديالى، حيث ظهر عدد من الفنانين التشكيليين الذين أسهموا في إثراء الحركة التشكيلية العراقية، من خلال اللوحة والرسم والنحت والخزف. وقد تميّزت التجربة التشكيلية الديالية بتنوّع أساليبها، بين الواقعية والتعبيرية والرمزية، مع حضور واضح للبيئة المحلية بوصفها مصدر إلهام بصري. كما لعبت المعارض الفنية، سواء داخل المحافظة أو في بغداد، دورًا مهمًا في إبراز هذه التجارب، وإتاحة الفرصة للفنانين للتفاعل مع المدارس الفنية الأخرى، ما أسهم في تطوير أدواتهم وأساليبهم التعبيرية.

وفي سياق متصل، برزت الفنون السينمائية والتلفزيونية بوصفها مجالًا حديثًا نسبيًا، لكنه شديد التأثير في الوعي الثقافي والاجتماعي. فقد أسهم أبناء ديالى ممن درسوا السينما والإعلام المرئي في بغداد في نقل خبراتهم إلى المحافظة، سواء عبر الإنتاج التلفزيوني المحلي أو من خلال المبادرات الشبابية في صناعة الأفلام القصيرة والوثائقية. وقد اتخذت هذه الأعمال من الواقع الديالي موضوعًا لها، موثقةً الحياة اليومية، والتحولات الاجتماعية، وقصص الإنسان البسيط، ما منحها بعدًا توثيقيًا وثقافيًا مهمًا. كما أسهمت هذه التجارب في تعزيز ثقافة الصورة، وربط الفن السينمائي بالهوية المحلية.

إن العلاقة بين التربية الفنية والفنون السينمائية والتشكيلية في ديالى علاقة تكاملية، إذ تشكّل التربية الفنية الأساس المعرفي والجمالي الذي يُغذّي باقي الفنون البصرية. فالفنان التشكيلي، وصانع الفيلم، والمخرج التلفزيوني، جميعهم ينطلقون من وعي بصري وثقافي غالبًا ما تكون جذوره في التعليم الفني المدرسي والأكاديمي. ومن هنا، تتضح أهمية دعم برامج التربية الفنية، وتطوير مناهجها بما ينسجم مع التحولات المعاصرة في الفنون البصرية، والتقنيات الرقمية، ووسائط التعبير الحديثة.

وقد واجهت هذه المجالات الفنية، كغيرها من القطاعات الثقافية، تحديات كبيرة خلال العقود الأخيرة، تمثلت في ضعف البنية التحتية، وقلة الدعم المؤسسي، وتأثير الأوضاع الأمنية والاقتصادية. إلا أن هذه التحديات لم تُلغِ الفعل الفني، بل دفعت الكثير من الفنانين والمربين إلى البحث عن بدائل، من خلال الورش الفنية المستقلة، والمبادرات التطوعية، والاستفادة من الفضاء الرقمي لعرض الأعمال الفنية والأفلام القصيرة. وقد شكّلت هذه الجهود مؤشرًا على حيوية المشهد الفني، وقدرته على التكيّف مع الظروف الصعبة.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت تتشكل ملامح نهوض تدريجي في مجالات الفنون البصرية في ديالى، مدفوعة بعودة النشاط الثقافي، وظهور جيل شاب يمتلك أدوات معرفية وتقنية جديدة. فقد شهدت المحافظة تنظيم معارض تشكيلية، وعروض أفلام قصيرة، وفعاليات فنية تربوية، أسهمت في إعادة الاعتبار للفن بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء الوعي المجتمعي. كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع دائرة التأثير، وإيصال التجارب الفنية الديالية إلى جمهور أوسع داخل العراق وخارجه.

إن النهوض بالتربية الفنية والفنون السينمائية والتشكيلية في ديالى يتطلب رؤية ثقافية واضحة، تقوم على دعم المؤسسات التعليمية، وتشجيع البحث والدراسة، وتوفير فضاءات عرض وإنتاج فني. كما يتطلب شراكة حقيقية بين الدوائر التربوية والثقافية والإعلامية، بما يضمن استدامة الفعل الفني، وربطه بحاجات المجتمع وتطلعاته. فالفن، في جوهره، ليس ترفًا، بل ضرورة تربوية وثقافية، تسهم في بناء الإنسان، وتعزيز قيم الجمال والحوار والانتماء.

وخلاصة القول، إن ديالى تمتلك رصيدًا مهمًا في مجالات التربية الفنية والفنون السينمائية والتلفزيونية والفنون التشكيلية، جعلها جزءًا فاعلًا من المشهد الفني العراقي. ورغم ما مرّت به من تحديات، فإن استمرار هذه الفنون، وتجددها بأجيال جديدة، يؤكد أن الإبداع البصري في ديالى قادر على البقاء والتطور، متى ما توفرت له البيئة الداعمة، والإيمان الحقيقي بدور الفن في صناعة المستقبل.